أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
قال تعالى: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين } [آل عمران/144].
عاش باذلاً مهجته ومات مألوماً؟!
الرسول الأعظم (ص) شخصية ربانية بمعنى أنها لا تخضع لمقاييسنا نحن بني البشر، فنحن بنو البشر لا نستطيع أن نقيّم هذه الشخصية، الإنسان يقيم ما هو مساوٍ له أو دونه، بينما ما هو أعلى منه فلا يستطيع أن يُقيّمه، لذا عاش صلوات الله عليه باذلاً مهجته ومات وهو مألوم من هذه الأمة، يكفيه ألماً في اللحظات الأخيرة، عادة عندما يكون الإنسان في آخر لحظاته فإنه يُقدم له كل ما يريد حتى المحكومين بالإعدام كما هو معروف، يقال لهم: ما هي الأمنية التي تريد أن تُنفذ لك؟ والإنسان المريض يقال له: بماذا توصي؟ وماذا تريد؟ إلا هذا النبي العظيم فإن أحدهم قال أنه ليهجر، يقول لهم: "عليّ بدواة وكتف ( قرطاس)" فيقولون له: إنه ليهجر، يعني لا تلبون له شيئاً، هذا ما كان منهم في اللحظات الأخيرة، أما قبل هذه اللحظات الأخيرة فهناك هنات وهنات، محاولة اغتيال وقحة تمت لرسول الله (ص) يا للعجب! فالاغتيالات التي نعبر عنها نحن بالاغتيالات السياسية لم تكن وليدة أيامنا هذه ولم تكن من مخترعات هؤلاء الجهلة، وإنما أولئك أسسوا لها، لذلك فحذيفة بن اليمان يقول: قال لي رسول الله أعرفتهم يا حذيفة؟ قال: لا، فدعا الله فأبرقت برقاً فرأيت الذين حاولوا اغتيال رسول الله (ص)، لذلك أحدهم كان كلما يلتقي بحذيفة يسأله: أأنا منهم يا حذيفة؟ أأنا منهم يا حذيفة؟ إذا لم تكن معهم وأنت واثق من نفسك فلماذا تسأل أأنا منهم؟!! حيث كلما التقيت بحذيفة تسأله سواء في المسجد أو خارج المسجد تسأل ذات السؤال وتقول: أأنا منهم يا حذيفة؟ نعم هو لا يعتقد بالنبوة بشكلها الدقيق فيريد أن يتأكد من أنه معهم، كما يُقال في المثل: يكاد المريب أن يقول خذوني، يعني أنا منهم ولكن هل رأيتني أم لم ترني يا حذيفة، هذه كل المسألة.
أليس لهذا الرجل اسم؟!
إذن بالنسبة للرسول الأعظم (ص) لاقى ما لاقى من هذه الأمة، يعني أن صحابته والمقربين له صلى الله عليه وآله لم يكونوا بمستوى تحمل المسؤولية شئنا أم أبينا، وإلا فغرفة الرسول (ص) في ذلك الوقت كم نفراً كانت تسع؟ هل تسع مئات أو آلاف من الناس؟ بالطبع لا فإن الغُرف آنذاك لا تسع سوى أفراد معدودين لكن ومن أجل التعتيم يقول لك، فقال رجل، فلماذا يُقال رجل؟ لماذا لم يُذكر اسمه؟! طبعاً في مصادر أخرى ذكر اسمه، ولكن في المصادر المهمة عند القوم لماذا يقولون فقال رجل؟ هذا هو الشعب وهؤلاء هم أصحاب ووزراء رسول الله (ص)، لذلك عندما نقول ارتد الناس فالقرآن الكريم يقول: ومن { ... ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين } [آل عمران/144]، القرآن يتنبأ بهذا الانقلاب، وما المراد من الانقلاب؟ هل المراد بالانقلاب كفر بالمعنى المصطلح؟ طبعاً لا، بل المقصود التراجع والارتداد عما أراده رسول الله (ص)، بمعنى ترك ما أمر الله به ورسوله، هذا هو المقصود بالارتداد حقيقة، وإلا إذا كان المقصود بالكفر الظاهري لوجب ترتيب آثار الكفر على أولئك، لكن أمير المؤمنين (ع) لم يُرّتب هذه الآثار.
ما بين النبيّ (ص) وحفيده الخمينيّ (رض)
هذا ما حصل في الواقع من حياة رسول الله، وفي المقابل ما حصل لحفيده الذي نحتفل اليوم بذكرى انتصار ثورته، رسول الله (ص) يتم إخراجه من مكة فيهاجر من مسقط رأسه عندما يُطلب ليقتل، ولاحظ المقارنة حيث أنهم خرجوا بمجموعة من الشياطين أخرجوا من كل قبيلة فرداً واحداً ليدخلوا على رسول الله (ص) فيقتلوه فيتفرق دمه بين القبائل، بينما الإمام الخميني رضوان الله عليه لمجرد أنه يعتقل يخرج من أجله الآلاف، فيُقتل خمسة عشر ألف شخص وذلك في الخامس عشر من خرداد، مع أن الإمام لم يُقتل وإنما خرجوا به للاعتقال فقط، ومع ذلك خرج في الخامس عشر من خرداد هذا الكم الهائل من أجله فاستشهدوا، انظر للفرق، الرسول الأعظم (ص) يخرج من مكة إلى المدينة المنورة لأنه لم يجد أنصاراً هناك في وطنه، ففي وطنه كان ملاحقاً من قبل أقرب الناس له عمه أبو لهب فقد كان من ضمن المتآمرين، والقرشيون كانوا من نفس الأفراد المتآمرين أيضاً، بينما الإمام رضوان الله عليه لم يخرج هو بل أُخْرِِج حيث جهّزوا له طائرة وطلبوا إليه الخروج إلى مكان غير مكانه وأرض غير أرضه، وسبب إخراجهم له أنه افتتن الناس بك في بلادنا، يعني نحن لا نستطيع أن نعمل شيئاً وأنت في هذا البلد فالناس تسمع لك، وتوقعوا أنه حينما يُبعد شخص الإمام فإنه سيُقضى على مبادئه رضوان الله عليه.
وللشعب في حياة كليهما مواقف!!!
الإمام رضوان الله عليه طيلة تلك الفترة كان أنموذجاً للمرجع العالم البصير بأمور زمانه والشجاع، في تلك الفترة الإمام قدس الله سره أثبت من خلال قيادته للجماهير أنه يتمتع بهذه الصفات، والجماهير حينما رأت فيه هذه الصفات أعطته القياد، بينما في عهد رسول الله (ص) فقد كانت المسائل بخلاف ذلك، يعني أنه لا يوجد في العالمين أكثر حكمة وعلماً وحنكة وشجاعة من رسول الله (ص)، ويكفي في ذلك أن عليّ بن أبي طالب (ع) وهو أسد الله وأسد رسوله أشجع العرب بالإجماع كان يقول: ( إذا حمي الوطيس لُذنا برسول الله (ص)) يعني إذ اشتدت الحرب فنحن نكون قريبون من رسول الله (ص) لأن شجاعة رسول الله (ص) أكثر من الآخرين، هذا الرسول الشجاع والعظيم لم يحصل على شعب يتناسب وهذه العظمة، بينما الإمام الخميني رضوان الله عليه حصل على شعب بمجرد أن قال له اخرج للشارع خرج بالملايين، يستقبل الرصاص بصدره من دون أسلحة، يعني الشعب وعامة الشعب الذين كانوا مخاطبين من قبل الإمام رضوان الله عليه، لم يخرجوا بالفساد والإفساد، إذا لاحظتم في السابق أن الذين يقومون بالحرب وغير ذلك كانوا من منظمة مجاهدي خلق وفوده، والإمام كانت توصياته أنه يجب أن تُترك المؤسسات العامة والمنظمات العامة، لذلك صارت في أكبر المدن الإيرانية كما في طهران كانت المظاهرات سلميّة مائة في المائة، فالناس عندما تقول: كل دم في عروقنا هو هدية لإمامنا، وكان شعارهم آنذاك في تلك الحقبة: "كل قطرة في دمنا هو هدية لقائدنا" ، القضية كانت دقيقة، المسألة مسألة شعب أحب قيادته في الأخير، الإمام رضوان الله عليه وهو على فراش المرض نفذوا له عدة أمور وكانت تلك الأمور بالنسبة للشعب الإيراني تعتبر أموراً مؤلمة، إيقاف الحرب أمر مؤلم بالنسبة للشعب الإيراني حيث استشهد كثيرون، والمجرم الطاغية لا يزال حياً، فالشعب الإيراني كان يتمنّى أن لا تنتهي الحرب إلا بنهاية ذلك المجرم صدام، ومع ذلك بمجرد أن قال لهم الإمام رضوان الله عليه: ( لتوقف الحرب ) أوقفوها من دون معارضة، لم يتحدث أحد ببنت شفة عندما قال الإمام أوقفوا الحرب، ولو أن غير الإمام أمر بإيقاف الحرب آنذاك لكانت كارثة، ولعانى المسؤولون من مشكلة، هذا أمر.
وفي الخلافة في يا ( أخي ) لا خلاف
الأمر الآخر: وهو خلافة الإمام رضوان الله عليه، فالإمام لم يضع خليفة وكان يقول في رسالته لمنتظري بشكل صريح: (أنا وأنت متفقان على أنك لا تصلح للخلافة، وأنا لم أشر إلى أنك تصلح للخلافة)، ولكن لأن منتظري خلاصة فكر الإمام وهو تربية الإمام ولأن فقهه متميز ولأنه ولأنه.. الخ، إضافة إلى أن الناس المقربين من الإمام فهموا بأن الإمام كان يُعدّه خليفة له، الرسول الأعظم (ص) كان يعد علياً للخلافة، فمن الذي ربى علياً صلوات الله وسلامه عليه، وبالرغم من أن الفارق بين علي بن أبي طالب (ع) وبين رسول الله (ص) على أقل التقادير سبع وعشرون سنة، والروايات تقول بُعث رسول الله (ص) وعلي له ثلاثة عشر سنة تدل على أن الفرق ما يقارب 13 سنة، وبعض الروايات تقول بعث رسول الله ص ولعلي 3 سنوات، والرسول ربّاه، كما ورد عن علي (ع) كنت أتبع رسول الله اتباع الفصيل لأمّه، واقعاً هو الذي رباه، ومع ذلك كان يقول لشخص هو ربّاه وبينهما في العمر 23 سنة يقول له: يا أخي؟! أليس من المفترض أن يقول له يا بُنيّ، فالمعروف أنه إذا كان بين اثنين ولو 15 عاماً يقول له يا بني، فكيف إذا كان بينهما 23 عاماً، لكن رسول الله ص يقول لعلي ع: أخي، أضف إلى ذلك أنه صهره على ابنته، وعادة الصهر يكون بمثابة الابن، ومع ذلك فهو يعبّر عنه بـ( أخي )، الإمام رضوان الله عليه لم يأتِ بمثل هذه التعابير إلا للسيد الخامنائي سدد الله خطاه، يقول له: " أنت أخي، أعرفك أخاً، كُنتَ تنير طريقنا بأفكارك المتميزة "، فأين الإمام في العمر وأين السيد القائد؟! الإمام ولد في 1280هـ والسيد القائد ولد عام 1317هجري شمسي، فكم يكون الفرق بينهما؟ الفرق 37 عاما، مع أن الإمام كان يقول أنا ربّيته، فهل يقول له: أخي أم يقول له: ابني؟ ينبغي أن يقول له ابني باعتبار الفرق بينما 37 عاماً، لكن حينما قال له: أنت أخي، وكان ذلك قبل عزل الشيخ منتظري، وليس بعد عزله، وهذه إشارة واضحة على أن الإمام كان يسير على مسيرة جده النبي الأعظم (ص)، يريد أن يشير إلى هذا الرجل.
لذلك يقول الشيخ الرفسنجاني حينما دخلنا على الإمام رضوان الله عليه قلنا له: (أنت الآن سيدنا أوجدتَ لنا مشكلة حينما عزلتَ منتظري، وهو القائد، فلو لا سمح الله بعد عمر طويل يحصل لك شيء، فكيف نحل مشكلتنا؟ قال لهم: لن تضيعوا وفيكم عليّ)، أي السيد الخامنائي، فالرسول حينما يقول لأصحابه: ( يا عمّار لو سلك الناس طريقاً وسلك عليّ طريقاً فاسلكوا الطريق الذي سلكه عليّ ) فهو يريد أنه خليفته من بعده لأن طريقهما واحد وهو طريق الله عز وجل، وهنا أيضا في قضية الإمام والسيد القائد الحالة واحدة، والإمام من أهل العرفان والعارف ينظر بعين الله كما في الرواية: ( المؤمن ينظر بعين الله )، هذا أمر.
هو هو لم تختلف حياته لا قبلاً ولا بعداً
الآمر الآخر: أنه واكب مسيرة هذا الرجل الجليل وهو يعرف نفسه، يعرف الطريقة التربوية التي نشأ عليها هذا السيد الجليل، تقي وَرِعٌ زاهد، لم تختلف حياته قبل أن تكون الثورة وبعد أن كانت الثورة، قبل أن يكون رئيساً للجمهورية وبعد أن أصبح رئيساً لها، فلم تكن تتغير حياته حتى بعد أن أصبح قائداً، فهل سمعتَ في وسائل الإعلام وغيرها أن ابنه السيد مصطفى رئيس كذا أو رئيس كذا، أو وزير كذا، وهل منكم أحد سمع أن ابناً للسيد صار كذا وصار كذا في مناصب الدولة أو أنه سافر وأعلن عن سفره أو تم استقباله أو ما إلى آخره؟! أبداً.
وأختم هنا بقضية معروفة حيث يقول رفيق دوست قائد الحرس الثوري قديماً يقول: استدعي ولي أمر أحد الطلاب اسمه ( ياسر) في إحدى المدارس وذلك لحضور مجلس آباء في المدرسة، يقول فذهبتُ إلى هناك فقالوا: رئيس الحرس الثوري يحضر مدرستنا والكل يعرفه، فانقلبت المدرسة رأساً على عقب حيث استغربوا أنه لمن جاء هذا الرجل، وماذا يريد، فقال لهم أنا أحضر لكم عن فلان، فقالوا له: ولي أمر الطالب الذي جئت عنه حُسيني فما دخلك أنت فيه؟! فعلموا بعد ذلك أن هذا الطالب هو ابن السيد القائد، فهذا الطالب ابن السيد القائد لم يكن ليتحدث عن أنه ابن فلان أو ابن فلان أو أبي قائد، حيث وضع السيد القائد ابنه في مدرسة عادية لعامّة الناس وعامة الشعب، لم يبعثه إلى لندن أو إلى نيويورك أو إلى غير ذلك، وعندما عُلم بأنه ابن السيد القائد، نقله من هذا المدرسة إلى مدرسة أخرى، نقلاً عن السيد رفقيق دوست.
لن تضيعوا وفيكم عليّ
إذن واقعاً هذا السيد الجليل مثال لعلي بن أبي طالب، فهو ابنه وحفيده يمشي على خُطاه، لذا عندما اختاره الإمام كان اختياراً موفّقاً، والناس لم يقولوا له: إنه ليهجر، حينما اجتمع رئيس الجمهورية نفس السيد ورئيس مجلس الشورى ورئيس الوزراء ( الشيخ الرفسنجاني ) ورئيس القضاء ( السيد الأردبيلي ) وقال لهم السيد الإمام رحمة الله عليه: (لن تضيعوا وفيكم عليّ)، فهو النائب للإمام ولم يحتجّ منهم أحد على ذلك القرار، بل سمعوا وأطاعوا، بينما الآخرون يقولون لنبيهم: إنك لتهجر، وفرق كبير بينهم، نسأل من الله عز وجل أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضى، وأن ينصر ولي أمر المسلمين، وأن ينصر حكيم آل محمد، وأن يقضي حاجات كل محتاج، وأن يحفظ ويصون المجاهدين على الثغور، وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
اللهم ارض عن صحابته الأطهار و خلفاءه الراشدين و التابعين الى يوم الدين
لدي ملاحظة : في الخطبة لسماحة السيد ذكر الامام أمير المؤمنين أكثر من مره ولكن ذكر اسمه جافاً(علي بن ابي طالب ) وهو أمير المؤمنين وسيد الوحدين وإمامته واجبة على جميع المسلمين بل وحتى رسول الله صلى الله عليه وآله كان يناديه بأمير المؤمنين في حياته .
بينما حينما يذكر السيد الخميني رضوان الله عليه يسبق بلقب الامام .
ولست معترضاً على تسمية السيد الامام بهذا .
إنما الامام أمير المؤمنين أولى بها