بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وعلى آله الطاهرين .
قال رسول الله "ص " : ( فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذني "
وفي رواية أخرها : ( أرضى لرضاها وأغضب لغضبها ) .
الزهراء والكمال :
السيدة الزهراء "ع" حينما يتحدث الإنسان عنها فإنما في الحقيقة هو يتحدث عن مجموعة من الكمالات المقسمة بين من هم في طور الكمال .
السيدة الزهراء "ع" الحديث عنها بذاتها حديثاً عن النقاء والطهارة بغض النظر عن كونها بنت رسول الله أو زوجة علي أو أم للأئمة "ع" وإن كان كل واحد من هذه الأمور الثلاثة بذاته ميزة وكرامة لهذه السيدة الجليلة . إلا أننا حينما نتحدث عنها فإننا نتحدث عن المرأة الكاملة التي هي ميزان كمال كل امرأة بل ميزان الكمال الإنساني امرأة كان الإنسان أو رجلا . لأن الرجل يكمل بقربه من الله "عز وجل " وإنسانيته . والزهراء "ع" هي من أقرب الناس إلى الله " عز وجل " بل أقرب إلى الكمال الإنساني أيضاً . هذه السيدة الجليلة ومع مراعاة إن الهدف من خلق الإنسان على وجه الأرض هو قوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) أصل الخلقة لإيجاد مرحلة الكمال في العبادة . السيدة الزهراء "ع" كمال عبادتها سيأتي إن شاء الله في نطاق هذه الكلمة .
مكانة السيدة الزهراء "ع" عند الله " عز وجل " :
للزهراء "ع" مكانة تفوق كل مكانة ماعدا مكانة أبيها (ص) وزوجها "ع" . وإلا بالنسبة للآخرين تفوق مكانتهم من حيث عناية الله "عز وجل" بها . مسألة الاصطفاء تحققت منذ بدء الخليقة من قبل الله " عز وجل " . من هنا قال رسول الله (ص) أن مريم ( سيدة نساء عالمها ) أي سيدة نساء العوالم الموجودة في عصرها ، ( وأنت - فاطمة - سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين ) ينظر إلى هذا الجانب .
فاطمة كائن سماوي :
مكانة الزهراء "ع" في الروايات الصحيحة عندنا إن الرسول الأعظم (ص) جيء إليه بتفاحة من فاكهة الجنة فأكلها فتخلقت نطفة فاطمة من هذه الفاكهة . وهذه الرواية ليست مختصة بنا بل العامة يروون عن عائشة أنها قالت : حدثني رسول الله (ص) حينما عرج بي إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج ووصلت إلى الجنة أعطاني جبرائيل تفاحة من فاكهة الجنة فأكلتها فكانت نطفة فاطمة ) عناية السماء بفاطمة إلى هذا الحد أن تتخلق ويجب أن تتخلق من السماء وليس من الأرض فهي كائن سماوي على الأرض حقيقة . مكانتها من الله بحيث كان يرعاها قبل أن تخلق إلى حين الولادة وما بعد الولادة .
فاطمة تحدث أمها :
الروايات تقول : إن الزهراء "ع" كانت تؤنس أمها وهي في بطنها . كانت خديجة تتحدث والجميع متفق على أنها تتحدث مع جنينها . كانت "ع" مؤنسة وتأنس بها ، وإلى حين الولادة ـ نحن نعرف ـ إن نساء قريش قاطعن خديجة . لماذا ؟ لأنها أتبعت رسول الله (ص ) وإلا فهي من سيدات قريش لأنها أتبعت الحق ودافعت عنه على الرغم مما لاقته من مقاطعة القرشيات لها وبقيت على ذلك وهذا في الواقع سمة المرأة الطاهرة والنزيهة . إتباعها للحق بل دعوة ذويها من قبلها يعتبر طريقاً من طرق إيصال الحق ، وهكذا كانت خديجة شريكة الرسول الأعظم (ص) في دعوته حتى ورد في الخبر : ( ما قام الدين إلا بمال خديجة ونصرة أبي طالب وسيف علي ) وشأنها عظيم . نساء قريش قاطعن خديجة بحيث لم يدخل عليها أحد أثناء الولادة ولم يزرها أحد ولم تأت لها قابلة أو داية لتساعدها في أمر الولادة . فأنزل الله إليها أربعة نساء من الجنة ليباشرن ولادتها . هذه العناية الربانية للزهراء "ع" أول ما تقع على أيدٍ من السماء .
النطفة من الجنة والولادة على أيدٍ نساء من الجنة .
ألا يعتبر ذلك كرامة وتكريماً من المولى لهذه المرأة . قطعاً يعتبر ذلك .
عبادة فاطمة :
روايات أُخر وهي تعتبر دليل مكانتها عند الله " عز وجل " في الحديث القدسي : إن الله يباهي ملائكة السماء بالزهراء "ع" حيث يقول : يا ملائكتي أنظروا إلى أمتي وقد وقفت بين يدي للعبادة . إلى أن يقول : وقد ارتعدت فرائصها وعزتي وجلالي لآمن خوفها ـ وفي رواية آمن خوف شيعتها ـ المولى يقسم بعزته وجلاله لآمن خوفها . المولى يباهي بعبادتها عبادة الملائكة والذين هم أساساً مخلوقون للعبادة . العبادة وظيفة للملائكة والمولى يقارنها بعبادة الزهراء " ع ".
الجار ثم الدار
يقول الإمام الحسن " ع " : كنت في ليلة القدر أرقب أمي ـ عمر الإمام الحسن عندما توفيت الزهراء ثمان سنوات باعتبار ولادته كانت في السنة الثانية للهجرة ـ فوجدتها راكعة ساجدة قائمة .. تدعو الله .. تدعو للناس وما سمعتها تدعو لنفسها . فقلت لها يا أماه : لما لا تدعين لنفسك . قالت : الجار ثم الدار .
الدعاء للآخرين مقدم على النفس . وهل يوجد كمال عبادي أكثر من ذلك ؟ نحن عادة ندعو للإنسان بهذا ( أحسن الله لنا وله ) يقدم النفس على الآخرين بينما هذه الطاهرة تدعو للآخرين ولا تدعو لنفسها . هذه حقيقة العبادة . إن الهدف في الواقع هو التوجه لله "عز وجل" أن يتعلق القلب بالله "عز وجل " ليس مهماً العبادة و الدعاء للذات بقدر تعلق القلب به سبحانه وتعالى .
نور فاطمة :
من مكانتها أن أضفى الله عليها نوراً لا يوجد عند غيرها . فقد ورد الخبر عن رسول الله (ص ) : إن فاطمة تزهر لأهل السماء كما تزهر الأنجم لأهل الأرض .
إذا وقفت الزهراء للصلاة أو مرت فالملائكة يرون لها نوراً في السماء .
تقول عائشة وهي رواية عند أبناء العامة : في ظلمة الليل أو في الليلة الظلماء نستضيء بوجه فاطمة . الأمور التي لا نستطيع أن نراها فإننا نراها بنور وجه فاطمة .
إذن عناية السماء .. عناية الله " عز وجل " بهذه المرأة الطاهرة أكبر من أن نحجمها نحن . من نحن حتى نتحدث عن الزهراء باعتبارها امرأة عادية .
فاطمة لا ترى دماً :
أو باعتبار أن نحكم على هذه المرأة إذا لم تطمث هل هذا يعد نقصاً أم كمالاً ؟
نحن بشر ندع الحكم على الناس الكُمَّل لله ورسوله وأولي الكمال . الآثار لا تعطينا القدرة للحكم على أولئك . الرسول الأكرم (ص) أعطانا قاعدة في يوم خيبر . ماذا قال ؟ قال : ( لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله )
وفي رواية أخرى : لا يعرف الله إلا أنا وأنت ، ولا يعرفني إلا الله وأنت ، ولا يعرفك إلا الله وأنا . المعرفة الحقيقة عند هؤلاء والآخرين لديهم المعرفة الظاهرية .
من خلال بعض المظاهر لا نستطيع أن نعطي حكماً ، نعم يمكن أن نستفيد منها . فلا يحكم على الكمال أو النقص من خلال الظواهر . فهذا دليل عدم وعي وعدم فهم . المثقف من خلال قراءة صفحة أو صفحتين يحاول أن يتحدث بهذه اللغة . كلام عجيب وغريب . خصوصاً إن الوظائف البيولوجية لا تدل على النقص أو الكمال . فلو أبدل الله شخصاً مثلاً وظائف الكليتين في جسمه بحيث ينضح ـ أجلكم الله ـ ما ينضح من الإنسان العادي من بول قد ينضح عطراً منه بتغيير الأعضاء والوظائف مثلاً ، هل هذا يعتبر نقصاً حينئذ باعتبار ليس لديه كليتان . تبديل الوظائف البيولوجية وإعطاء وظائف أخرى لا يدل على النقص .وتطهر الشخص من الأدناس والأرجاس لا يدل على نقص . إذن الزهراء "ع" حينما يقال لها لا تطمث خصوصاً إن هناك روايات صحيحة واردة كرمها الله بعدم وجود الطمث . والرواية صحيحة عند علمائنا وأصحابنا . لذا الوظائف البيولوجية لا يمكن أن تربط حينئذ بالكمال أو عدمه .
مكانة الزهراء " ع " عند الرسول (ص) :
مكانتها عند الرسول (ص) كبيرة أيضاً فهي مقياس للحق والباطل . ( إن الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها ) ولا يمكن أن يوضع إنسان مقياساً للحق والباطل في مثل هذا الموقع وهو يمكن أن يجنح ـ والعياذ بالله ـ للباطل .
الزهراء كاملة بهذا المعنى أيضاً . لا تغضب لنفسها كما أنها لا تدعو لنفسها . إنما تغضب لله وترضى الله .
فاطمة أم أبيها :
ومن ضمن المناقب أن الرسول اعتبرها أم أبيها ، وهذا أمر غريب أن الرجل منا يتعامل مع ابنته على أنها أمه . كان يكنيها بأم أبيها . يعتبرها بضعة منه ومن آذاها فقد آذاه . إذن المنزلة عند الله وعند الرسول كبيرة وعظيمة خصوصاً أنها أثبتت وبجلاء حقيقي أنها في ذلك المستوى باعتبار تعاطيها مع الرسول . فمنذ كانت طفلة لم يتجاوز عمرها ثمان سنوات كما ينقل المؤرخون كانت تخرج مع الرسول وهي طفلة إلى الحرم المكي إلى قرب الكعبة حينئذ لتزيل عنه القاذورات التي تلقيها عليه أوغاد قريش وسفهاؤها . كانت وبكل لطف وبحنان الأمومة تزيلها عن رسول الله (ص) . الأطفال عادة إذا رأوا مثل هذه المواقف يكون موقفهم الصراخ والبكاء . أما الزهراء فكانت تزيلها فيضمها الرسول ويقبلها ويقول لها : أم أبيها ، فداك أبوك .
شجاعة الرسول الأكرم :
اهتمامها بالرسول وبرغباته وصلت إلى حد أنها كانت تدخر طعامها عدة أيام أو إلى يومين حينما كان الرسول مع أصحابه يحفرون الخندق . الرسول يحفر الخندق كما يحفر أصحابه . تلاحظ القائد وموقعه وعلاقته مع عامة الناس وجنوده حينئذ . فهو غير جالس في عرشه أو في غرفة مريحة والناس يعملون . وهذا ديدنه (ص ) . قد يدعي أن الرسول لديه غرفة عمليات أو عريش . الكثير من الأحداث تكذب هذا الإدعاء وأهم حدث هو ما جرى في غزوة أحد حيث كان يقاتل حتى كسرت رباعيته وشج رأسه وهذا دليل على أنه يقاتل وكذلك قول علي "ع" ـ وهو أسد الحريبة ـ إذا اشتد علينا الوطيس لذنا برسول الله . ورسول الله كان صاحب سيف يحتمي به أصحابه بل شجعان أصحابه يحتمون به . كان يحفر الخندق كأصحابه وكان يجوع كما يجوع أصحابه . يتم توزيع الطعام الموجود فيما بينهم ، ليس مثل بعض القادة . هناك قصة دائما استشهد بها وهي في الحرب العالمية الثانية قيل للمملكة إن الخبز نفد من السوق ، فقالت : ليأكل الناس الكيك . هي لا تفهم معنى فقد الكيك فضلاً عن فقد الخبز . الرسول وضعه مختلف فهو يساوي عامة رعيته . أقبلت الزهراء "ع" وتحت ردائها شيء فخرج لها الرسول واستقبلها وسألها ما وراءك يا فاطمة أخبرته أنها ادخرت من طعامها له وأتت ـ لاحظ المسافة بين داخل المدينة والخندق ـ تحركت الزهراء لتطعم أباها فقال لها لم أذق الطعام من يومين كان يعطي أصحابه الطعام وهو لا يأكل .
تتصدق بثمن الستارة :
في إحدى الأيام وضعت ستارة في البيت ـ نوع من الزينة والكماليات ـ فرأت الكراهة في وجه الرسول (ص) خرج وما إن خرج حتى بعثت من يبيع الستارة ويتصدق بثمنها .
تبيع العقد :
بنت واقعاً نعم البنت . واقعاً امرأة مثالية كاملة ، في الرواية أنها أشترت عقداً ـ العقد في العادة يكون من أحجار كريمة أو ذهب أو ما إلى ذلك ـ الرسول (ص) تساءل عن هذا العقد ، مجرد تساؤل . كان (ص) يريد أن يوصل رسالة إلى أهله ، أنا نبي لا أريد أن أتحول إلى ملك ، أريد هداية الناس ولا أريد أن أتمثل بالملوك لتلبس بناتي وتتقلب في النعيم . وهذه مزية للرسول (ص) .
يقوم لها ويقبل يدها :
وهذه البنت استحقت التكريم من الرسول (ص) وهنا نكتة تربوية بالنسبة لنا . لأن تعامل الرسول (ص) مع فاطمة وخديجة وبقية زوجاته كان يشعرهن بالأمن الاجتماعي الذي أنتج لنا هؤلاء الصالحين من آل الرسول (ص) فقد كان يستقبل السيدة الزهراء "ع" فإذا أقبلت عليه وقف إجلالاً لها. في حياتنا لا يوجد أحد يقوم لأبنته أو زوجته وحتى لأمه . هذه التفاتة تربوية ، الإنسان إذا احترم الزوجة أو البنت يعطيها نوعاً من الأمن الاجتماعي والمحبة بينهم حينئذ ، والمرأة إذا أحبت أخلصت وإذا غضبت قلت . الرواية تقول : ( إذا أقبلت قام إجلالاَ لها وقبل يدها ) ربما لا يوجد أحد يقبل يد أبنته بعضهم يعتبره عيباً . هذا الأمر عادي جداً . يقبل الرسول (ص) يد أبنته . قد يقول البعض تلك فاطمة تستحق أن تقبل يدها ولكن زوجتي ليست فاطمة . أنت لست كمحمد . نفس المستوى والعلاقة والتناسب واحد . ( قبل يدها وأجلسها مكانه ) يقوم ويجلسها مكانه أو معه .
فاطمة الكوثر :
مكانة السيدة الزهراء "ع" عند الرسول (ص) مكانة كبرى خصوصاً أنها "ع " هي الكوثر . ونحن نعرف الكوثر بأي معنى . بمعنى كثرة البركة وعظمتها . من خلال النسل وغيره ليس النسل فقط بل حياتها هي بذاتها بركة وهي بذاتها يمكن الاستفادة منها إلى يوم القيامة .حتى يوم القيامة هي مصدر خير وبركة فقد ورد في الخبر )إذا كانَ يَوْمُ القيامَةِ نادى مُنادٍ: يا أَهْلَ الجَمْعِ غُضُّوا أَبْصارَكُمْ حَتى تَمُرَّ فاطِمَة( وبما أنها مصدر خير وبركة في الرواية (لتلتقط شيعتها ومحبيها كما يلتقط الطير الحب الجيد من الحب الرديء )
فهي كوثر بكل ما لهذه الكلمة من معنى .
ومن ضمن هذا الكوثر جداول . في الرواية أن الكوثر نهر عظيم في الجنة أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وكل أنهار الجنة تنتهي إليه . وجداول الخير في هذه الأمة تنتهي إلى الزهراء "ع " .
الإمام الخميني أحد روافد الكوثر :
وكنموذج من ذلك الكوثر الإمام الخميني " رضوان الله عليه " أنا أقطع إن ولادة الإمام الخميني ليست صدفة في إنه يقع في يوم ولادة السيدة الزهراء "ع" لأنه أحد روافد ذلك النهر الذي أعطى الأمة كل خير من كثرة نسل وإحياء قيم . الإمام مصدر خير لهذه الأمة . نحن نعلم إن الأمة كانت تعيش حالة انحدار وانحطاط جاء الإمام فرفع الأمة من أتون ذلك الانحطاط ورفعها إلى أعلى عليين .
الإمام أمل المستضعفين :
والإمام حينما كان يتحدث مع الأمة لم يكن يتحدث مع النخب أو يتحدث مع طبقة الملوك والحكام وغيرهم وإنما كان يتحدث مع عامة الناس كما أن خيره لم يكن خاصاً للطائفة الشيعية أو حتى للمسلمين بل كان عاماً للبشرية . لذا كان يتحدث مع المحرومين والحفاة والمستضعفين . كانت هذه لغة الإمام "رضوان الله عليه " . ومن هنا نجد أن الخيرات التي حصل عليها بعض الحفاة والمحرومين ، نحن نعرف أنه كم حركة قامت بعد حركة الإمام ، من حركة نيكارغوا إلى جنوب لبنان , هذه الانتصارات التي حققها المستضعفون والناس العاديون الفقراء والعمال إنما ببركة ما جاء به الإمام من إن الاتكال على الله وإحياء القيم أهم بكثير من المال والحياة وهذه بركة الإمام . وإحدى إنجازات الإمام أنه أعاد الأمة إلى الإسلام ، أعادها للتدين والالتزام بالدين في وقت كان الناس يبتعدون فيه عن الدين وعن القيم . هذا إنجاز ، والانجاز الأخر أنه أعاد رسالة السماء بتحرير الإنسان على الأرض وإن كان غير مسلم حيث أعطاه جرعة تبعث فيه الانتفاضة على واقعه وأوجب احترامه ككرامة إنسانية على وجه الأرض ( ولقد كرمنا بني آدم ) . هذه الكرامة لم تحصل منذ زمن طويل إلا بعد مجيء الإمام . وما هذه الانتصارات إلا نموذجاً من حركة الإمام فقد كان يتحرك بمسبحة دون سلاح وحصل ما حصل . الإمام أنجز كثيراً مما نتقلب نحن فيه . وحينما تقرأ في تراجم العلماء تجد بعضهم بنا مسجداً هنا أو حسينية هناك أو أنشأ مكتبة أو أسس مؤسسة أو طبع كتاباً . الإمام الخميني كمحقق كتب كتباً إلى الآن تشغل الباحثين والدارسين من عمق علم فيها ودقة نظر وتحقيق . بعضهم يكتب كتاباً وهو في الحقيقة نسخ ولصق بينما الإمام أنشأ بنات أفكار. الإمام كم مسجد وحسينية بنيت باسمه أو بناها ، والإمام أعطى محالاَ لطبع مئات الآلاف من الكتب كل ذلك ببركة حركة الإمام وانجازه لهذه الدولة . كل منجزاتنا نحن هو سببها ، وهو جزء من كوثر السيدة الزهراء "ع " فهو لاشك أحد روافد ذلك الكوثر . الإمام نقل القضية الفلسطينية من زاوية ضيقة أرادها أعداء الإسلام إلى العالمية وليست أن تكون إسلامية ، لاحظوا أرادوا أن تكون محلية محصورة في الخلاف بين الفلسطينيين والإسرائيليين . وهو أرادها أن تكون قضية إسلامية وبشرية عامة واستطاع أن يرسخ في الأمة فكرة بأن إسرائيل غدة سرطانية . والغدة السرطانية لا يفيد معها العلاج بل القطع والبتر والاستئصال . إذن تلك هي من بركات السيدة الزهراء "ع" .
مأساة الزهراء :
إلا إن هذه السيدة العظيمة العزيزة التي يفترض أن تكون عند المسلمين السيدة الأولى . وأنتم تلاحظون أنه يعبر عن زوجة الرئيس أو أبنته سيدة البلاد الأولى . والزهراء حقيقة هي السيدة الأولى للمسلمين .ما الذي فُعِل بها بعد ممات والدها "ص" . هذه الكوثر هذه المرأة الجليلة قد يقول شخص لا توجد عندنا روايات تتحدث عن كسر الضلع أو إحراق الدار أو إسقاط المحسن . من قال أنه لا توجد روايات ؟ في كتبنا نحن الشيعة حصول هذه الأحداث مورد إجماع انظر لكتاب الشيخ المفيد في الاختصاص نعم بعض علمائنا " راضون الله على الماضين ، وحفظ الباقين " حينما يريد أن يتحاور عقائدياً فهو يلجأ إلى القدر المتيقن عند الخصم مثل أن جمعه الحطب وتهديده بالإحراق .
ولازم هذا غضب الزهراء أم رضاها ؟ وغضب الزهراء هو غضب الله . فهو يستدل بهذه الطريقة . المسلم عندكم وأنا أدينكم به . وإن من تعامل مع الزهراء بهذه الطريقة مدان بهذه الروايات من هذا الباب . حصل لها والدليل على ذلك لترجع إلى الكتب التاريخية السنية اقرأها تجد كثيراً من الروايات عندهم تتفق ومضامين الروايات الشيعية الموجودة عندنا فهي عندهم ويسلمون بها . مثل هذه الأمور حدثت كما ذكرها صاحب البحار والشيخ المفيد كلهم يرون ما حدث على الزهراء من كسر الضلع وإحراق الباب وإسقاط الجنين ثابت عندنا وبرواة علمائنا المعروفين بالعدالة والوثاقة وكتبنا حجة علينا وكتبكم ليست حجة علينا شيء أكيد . أما كتبكم الأخرى يفهم منها إذا قرأت مجمل الكتب أن تفهم الشيء الكثير . فقد ورد في كتاب ( المختصر في أخبار البشر ، طبعة بيروت ، ج1 ، ص 156 : إن الخليفة الثاني أقبل على بيت فاطمة وفي يده شعلة من نار ) ليس بيده عود حطب بل عنده شعلة يفهم إن هناك استعداد ، علماؤنا يثبتون أنه حصل الإحراق . أنا أقول هذا كتاب تاريخي يذكر بأن هناك شعلة .
والشهرستاني في كتابه الملل والنحل ج1 ص 57 : يقول أن النظّام كذاب لأنه يروي : إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها. عندما الشخص ينقل حدثاً تاريخياً يكون كاذباً .
وكذلك ابن الحديد في(( شرح نهج البلاغة )) في الجزء 14 في الصفحة 193 ينقل حادثة إسقاط الجنين ورفس فاطمة ويقول أن الرسول أهدر دم من أخاف زينب ربيبة رسول الله (ص) – هو يقول ابنته – فلو كان الرسول موجوداً حين إخافة الزهراء وإسقاط جنينها لأهدر دمه .
وفي كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم ج 162 وفي نهاية القرن الثاني قريب من الحدث نفسه يقول : لما منع معاوية علياً وأصحابه الماء قلت (ابن العاص ) : أنت تعرف علياً حينما قال لو عندي أربعون لما كشف بيتي وفتش .
يعني بيت فاطمة تعرض للكشف والتفتيش أي كان الدخول قسراً . لم يستأذن علياً لدخول الغرف بل المسألة مرتبطة بأمر أخر .
وفي ميزان الاعتدال للذهبي ج1 ، ص 139ـ الذي يسمع أشرطة أو يقرأ كتب إحسان إلهي ظهير لم يبقى أحد من علماء السنة إلا واتهمه بالتشيع ويقول شيعي خبيث ـ في ترجمة 552 يقول : أبو بكر أحمد بن محمد السري بن يحيى بن السري بن أبي دارم ، التميمي الكوفي الشيعي ، محدث الكوفة .
سمع إبراهيم بن عبد الله العبسي القصار ، وأحمد بن موسى الحمار ، وموسى بن هارون ، ومحمد بن عبد الله مطينا ، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة ، وعدة .
قال الحاكم : هو رافضي ، غير ثقة .
وقال محمد بن حماد الحافظ : كان مستقيم الأمر عامة دهره ، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب ، حضرته ورجل يقرأ عليه أن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت محسنا .
رجل يقرأ عليه وربما يكون التتلمذ على يديه . المهم الرجل عامة حياته ثقة جيد مستقيم أي أنه من العامة ولكن لما يقرأ عليه جزء من التاريخ يكون رافضياً .
السيدة الزهراء " ع " مع ما لها من العظمة تعرضت لما تعرضت إليه . عندنا روايات كثيرة أن رسول الله (ص ) أخبر أنها شهيدة بالإضافة لما ورد عن أهل البيت "ع" . لسنا بحاجة إلى الرجوع إلى الكتب التاريخية وإذا رجعنا إليها لنقيم الحجة على الغير .
دور الإعلام :
وأشير إلى نقطة وهي إن الإعلام بيد الغير في زمن الإمام علي كان الإعلام بيد الغير . الذي يؤلف كتاباً يعذب وإذا نقل حدثاً ينكل به ويسجن وأكبر دليل أن أحد أبناء الكفائي ألف كتاباً عن أحداث ما بعد وفاة الرسول وأراد أن يطبع الكتاب في بغداد فسجن وتمت مصادرة الكتاب واعتقال المؤلف مما أدى إلى أن يقول الشيخ كاشف الغطاء : الكفائي يطلق والكتاب يحرق وإلا . وبالأمس القريب قافلة الحرية التي لا تحمل أسلحة نووية بل تحمل قطناً وغذاء ودواء وحليباً للأطفال يتم الهجوم عليها بهمجية . في الإعلام لا يوجد إطلاق النار من قبل الإسرائيليين على القافلة بل ظهر التصوير على أن من في القافلة يضربون الجنود بالعصي والذين يموتون هم من يضرب بالعصي ، هل هذه كرامة للجيش الإسرائيلي !!. لم ينقلوا بأن هؤلاء تصدوا للجنود . هذا عمل الإعلام في زماننا فكيف به في زمن السيدة الزهراء حيث لا يوجد إعلام توثيقي أو تصوير حتى نقول هذه الواقعة مدعاة أو غير مدعاة بل نقول أن التاريخ نقل روايتين على أقل تقدير أذا كنا نريد أن نكون منصفين .
نسأل الله عز وجل أن ينصر الإسلام و المسلمين ، اللهم إنا نسألك و ندعوك و نقسم عليك بمحمد و آل محمد إلا أذهبت هذه الغمة عن هذه الأمة و نصرت ولي أمر المسلمين ، اللهم أنصر حكيم آل محمد و ادفع السوء عن الجنود المرابطين على ثغور المسلمين ، كما نسأل منه عز وجل أن يوفق الجميع لما يحب و يرضى و صلى الله على محمد و آل محمد.